القرطبي
125
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق ، وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش ، " حكمة بالغة فما تغن ( 1 ) النذر " . ( خالصا ) يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهما وعاء واحد . وقال ابن بحر : خالصا بياضه . قال النابغة : * بخالصة الأردان ( 9 ) خضر المناكب * أي بيض الأكمام . وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شئ بالمصلحة . السادسة - قال النقاش : في هذا دليل على أن المنى ليس بنجس . وقاله أيضا غيره واحتج بأن قال : كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا كذلك يجوز أن يخرج المنى على مخرج البول طاهرا . قال ابن العربي : إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع ، اللبن جاء الخبر عنه مجئ النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة ، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة ، وليس المنى من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه . قلت : قد يعارض هذا بأن يقال : وأي منة أعظم وأرفع من خروج المنى الذي يكون عنه الانسان المكرم ، وقد قال تعالى : " يخرج من بين الصلب والترائب ( 3 ) " ، وقال : " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ( 4 ) " وهذا غاية في الامتنان . فإن قيل : إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول ، قلنا : هو ما أردناه ، فالنجاسة عارضة وأصله طاهر ، وقد قيل : إن مخرجه غير مخرج البول وخاصة المرأة ، فإن مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول على ما قاله العلماء . وقد تقدم في البقرة . فإن قيل : أصله دم فهو نجس ، قلنا ينتقض بالمسك ، فإن أصله دم وهو طاهر . وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري . قال الشافعي : فإن لم يفرك فلا بأس به . وكان سعد
--> ( 1 ) راجع ج 71 ص 128 . ( 2 ) الأردان : جمع ردن ( بضم الراء وسكون الدال ) وهو أصل الحكم . راجع ج 20 ص 4 . ( 4 ) راجع ص 142 من هذا الجزء .